عبد الشافى محمد عبد اللطيف
193
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
بالنسبة لهرقل ؛ تفيد مصادرنا الإسلامية أنه رد على الرسالة ردّا جميلا « 1 » . بل وتذهب بعض المصادر إلى أنه مال إلى الإسلام ، إلا أن الروم لم يطاوعوه على ذلك ، مما جعله يعتذر للنبي صلّى اللّه عليه وسلم عن عدم قبول الإسلام ، بسبب موقف رجال الدين المسيحي ، أما غالبية مصادرنا الإسلامية فلا تشير مطلقا إلى رد هرقل . وتطور العلاقات بين المسلمين والروم في آخر حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وفي عهد الخلفاء الراشدين يجعلنا نميل إلى ما أخذت به غالبية المصادر ، وهو عدم ورود ردّ من هرقل إلى النبي . فهرقل عندما وصلته رسالة النبي كان عائدا لتوّه من حربه مع الفرس تلك الحرب التي انتصر فيها عليهم انتصارا ساحقا ، ويبدو أنه كان عائدا معتدّا بنفسه وبما حققه من إعادة الصليب الأكبر إلى بيت المقدس ، ومن رده الاعتبار إلى بيزنطة التي كان الفرس قد مرغوا أنفها في التراب ، يبدو أن هرقل كان مزهوّا بهذا كله . فلما جاءته رسالة النبي صلّى اللّه عليه وسلم - وكان بالشام وقتها كما تذكر بعض المصادر - وهو على هذه الحالة لم يهتم بها ولم يرد عليها . ودلّت تصرفاته وسلوكه في الفترة التالية لوصول الرسالة على أنه في البداية - ربما - لم يقدر خطورة الرسالة ولا صاحبها ولا الدعوة التي دعاه إليها . فلما تنبه إلى خطورة الموقف ، وأدرك أن الإسلام قد أصبح قوة ضخمة ، وتصور أنه أصبح خطرا على ملكه ، وأراد أن يقاومه كان الوقت متأخرا جدّا . فلم يعد في مقدور أحد - كائنا من كان - أن ينال من الإسلام أو يوقف زحفه . والسؤال هنا هو : إذا كانت رسالة النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى هرقل سلمية ، وخالية من التهديد بالحرب ، لا حالا ولا مستقبلا ؛ حيث لم يقل النبي صلّى اللّه عليه وسلم لهرقل : إذا لم تسلم أقاتلك أو سأقاتلك - إذا كان الأمر كذلك فمن المسؤول إذن عن الحروب التي نشبت بين المسلمين والروم سواء في حياة الرسول أو بعد وفاته ؟ المسؤولية هنا - وبدون تعصب أو تحيز - تقع كاملة على هرقل والروم معه ؛ فهم الذين بدؤوا بالعدوان ضد المسلمين ؛ إليك الوقائع الآتية : في العام الثامن للهجرة أرسل النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، سرية مؤتة - الشهيرة - والتي كانت مكونة من ثلاثة آلاف جندي مسلم - لتأديب القبائل العربية القاطنة في مناطق التخوم بين بلاد العرب والشام ، على جرائم وحماقات ارتكبوها في حق المسلمين ،
--> ( 1 ) انظر تاريخ اليعقوبي ( 2 / 67 ) .